ابن بسام
20
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
من ابن الأفطس الغاية ، وتجاوز البلاء في جهته « 1 » النهاية ، وهيض جناحه بأسر ابنه ، ووهن ابن طيفور بقتل أخيه ، وكان ابن عبد اللّه بقرمونة ، قطب رحى الفتنة ، كثيرا ما يحرّض القاضي ابن عباد على الخروج إلى بلد ابن الأفطس ، وإلى قرطبة ، فيعما « 2 » الجهات كلّها تدويخا ، كلما آبا من جهة صارا إلى سواها ، حتى أثّرا آثارا قبيحة ، فارتفع طمع وزراء قرطبة المدبّرين لها منه ، لأنّه كان لا يوافقهم على دعوة أمويّ لفرط / شروده « 3 » عن الجماعة ، وإنما كان مذهبه طمس رسم الخلافة من معانها « 4 » بقرطبة ، وتصيّرها أسوة إشبيلية في إسناده إلى رئيس من أهلها ، وطرد قريش عن سلطانها ، إبطالا للإمامة ورسوخا في الخارجية ودفعا لأمر اللّه ، فقطع سبل قرطبة وشدّ حصرها ، فتمسك الوزراء بحبل بعض البرابر من بني برزيل بجهة شذونة ، وكانوا على قديم « 5 » الأيام جمرة زناتة بأسا وصرامة ، واعتضدوا بهم مدّة ، واعتضد أيضا ابن الأفطس بطائفة أخرى منهم ، فكان في كلّ بلد جملة منها سالت عن أهل البلاد سيول بها ، وخلطوا الشرّ بين رؤسائها ، واستخرجوا بذلك ما اطّمروه « 6 » من دنانيرهم وخلعهم ، وجاحوا ذات أيديهم ، وعلّموهم كيف تؤكل الكتف ، فطال العجب عندنا بقرطبة وغيرها من صعاليك قليل عددهم ، منقطع مددهم ، اقتسموا قواعد الأرض في وقت معا ، مضرّبين بين ملوكها ، راتعين في كلأها ، باقرين عن فلذتها ، حلّوا محلّ الملح في الطّعام ببأسهم الشديد ، وقاموا مقام الفولاذ في الحديد ، فلا يقتل « 7 » الأعداء إلّا بهم ، ولا تعمر الأرض إلّا في جوارهم ، فطائفة عند ابن الأفطس تقاوم أصحابها « 8 » قبل ابن عبّاد ، وطائفة عندنا بقرطبة تحيّز أهلها عن الأضداد ، فسبحان الذي أظهرهم ، ومكّن في الأرض لهم ، إلى وقت وميعاد . وكان « 9 » انطلاق المظفر من يد ابن عبد اللّه في ربيع الأول من سنة إحدى / وعشرين في خبر طويل ، وعرض عليه ابن عبد اللّه يوم أطلقه أن يجتاز على القاضي ابن
--> ( 1 ) ك : برعيته . ( 2 ) ورد النص على الإفراد في ل ك م س : فيعم . . كلما آب . . . الخ . ( 3 ) س ك ودوزي : شذوذه . ( 4 ) المعان : المنزل ؛ ط ك : مغانها ؛ م س : مغانيها ؛ د : مكانها . ( 5 ) ط : قدم . ( 6 ) من طمر بمعنى أخفى تحت الأرض ؛ س : أظهروه ؛ وفي ك : ادخروه . ( 7 ) ك : يقاتل . ( 8 ) تقاوم أصحابها : سقطت من ط . ( 9 ) انظر : البيان المغرب 3 : 203 .